|
زهور كرام
|
|
05/06/2010 |
|
بصدد " اعتقال الغابة في زجاجة" لأنيس الرافعي :
كيف تغيّر الكتابة القصصية مفاهيمنا النقدية
خرق التعاقدات النقدية
قرأت لأنيس الرافعي منذ نصوصه القصصية الأولى، غير أني لم أكتب عنها، كنت أسجل ملاحظات وانطباعات على هامش النصوص. كنت في حاجة إلى التحرر من المفهوم المألوف لدينا عن النص الأدبي، والقصة القصيرة.
نصوص أنيس الرافعي كانت – تبدو لي في بداية تواصلي معها- خارج النمط المعتاد في بناء النص القصصي، كانت نصوصا تخرق كل التعاقدات النقدية والفنية التي تربينا عليها. وكنت – كقارئة- في حاجة إلى التحرر من المفاهيم المألوفة حول النص الأدبي، وطريقة البناء، وعلاقة الشخصيات والأمكنة بالحدث.
عندما انشغلت – نقديا ومعرفيا - بالنص الترابطي و الأدب الرقمي، واطلعت على نصوص أدبية رقمية عربية وأجنبية، اكتشفت الحالة الجديدة التي أصبح عليها الأدب مع الوسائط الإلكترونية والتكنولوجيا، ومعها عرفت المفاهيم المألوفة حول الأدب تحولا في تفكيري النقدي. جعلني هذا الإدراك الجديد لمفهوم النص الأدبي، أعود إلى نصوص المبدع أنيس الرافعي، وهي عودة تمت من خلال إحساسي بنوع من التحرر مما ساد من تعاقدات نقدية حول مفاهيم أدبية.
إن العودة إلى قراءة نصوص "أنيس الرافعي" القصصية، والكتابة عنها بمتعة الاكتشاف، قد بدأ من عملية التحرر من المفهوم السائد حول الأدب.
وبهذا، أسجل على نصوص أنيس الرافعي أنها من النوع الذي يفكك المفاهيم، وينشط التفكير حول القصة القصيرة. إنها نصوص غير مهادنة، نصوص مربكة للثقافة النقدية السردية المعتادة، نصوص تبني بقراءتها شكل قراءتها. ولهذا، فكل مقترب لنصوص "أنيس الرافعي" معتمدا على المفاهيم السابقة، فلا شك أنه مصدوم، مما يحتم عليه الوضع، إما أن يعيد النظر في الجهاز المفهومي النقدي حول الأدب والقصة القصيرة، أو يتقبل الصدمة، ويتراجع عن قراءة النصوص.
اعتقال الغابة في زجاجة
تعد " اعتقال الغابة في زجاجة" المجموعة السابعة في الرصيد القصصي للمبدع" أنيس الرافعي", وهذا يعني أننا أمام مشروع قصصي يتطور ويطور معه تجربته الجديدة في كتابة النص القصصي.
1-مظاهر المغايرة :
تؤسس نصوص المجموعة القصصية اختلافها مع الشكل المهيمن في كتابة القصة القصيرة، بمظاهر المغايرة في بناء النص، وأسلوب الكتابة، وشكل تأطير القصة.ويمكن إجمال بعض مظاهر المغايرة في العناصر التالية:
1-1 العتبات :
هي العناوين الفرعية التي ترافق أقسام النصوص، وبعض القصص أيضا. وإذا وقفنا عند العتبات الثلاث الخاصة بالأقسام وهي عبارة عن نصوص لأصحابها، سنلاحظ أنها تؤشر على الدلالات التالية:
-هناك إمكانيات متعددة للتعرف على كيفية التكوّن .
- لا انتهاء الحكاية
- بالقرب من كل شئ حقيقي، هناك اللامرئي الذي لا نراه.
عندما نصوغ العناصر في علاقتها بالمقام الذي وردت فيه، يمكن افتراض رؤية معينة لكتابة/ قراءة القصة من طرف الكاتب" أنيس الرافعي" في المستويات الثلاثة:
- الاعتقاد بإمكانيات متعددة لبناء القصة الواحدة، من أجل إدراك زمن تكون النص القصصي. ولعل قصة " الزجاجة ( مساهمة في تدمير الإيقاع)" تشخص بطريقة بليغة المستوى الأول من الرؤية.
-الاعتقاد بلا انتهائية الحكاية ، تشكل نصوص القسم الثاني " الغابة "تمظهرا نصيا للمستوى الثاني من الرؤية.
-قدرة القصة على كتابة اللامرئي، وتعبّر عنها العلاقة التداخلية بين النص المكتوب والنص- الصورة( الخلفية المرجعية).
تساهم هذه العتبات في تليين فعل المجئ إلى النصوص وقراءتها. كما تقدم – في مجملها – رؤية في معنى كتابة القصة. وهي بذلك، لا تشبه العتبات التي سبق وألفناها في النصوص الروائية والقصصية، والتي تأتي من أجل تدعيم محتوى النص وفلسفته، أو تأتي لتمنح الشرعية لمجموعة من القيم أو المواقف الإنسانية أو السياسية، أكثر ما تكون ذات علاقة بالشكل والبناء.
غير أننا عندما نعود إلى زمن تكوّن بعض الأجناس الأدبية، مثل الرواية سنلاحظ أنها اعتمدت مثل هذه العتبات فيما يخص التركيز على طبيعة الشكل الفني، ونوع الجنس الأدبي، وطريقة الكتابة في هذا البناء. وقد تكون تلك العتبات حالة معرفية طبيعية ترافق النص الأدبي عندما يعرف تحولا في مفهومه، وبنائه ومنطق اشتغال مكوناته.
1-2 الإحالة المرجعية :
تعيّن كل نصوص المجموعة في نهاياتها المرجع البصري( شريط سينمائي) وليس المرجع الورقي . نحن لم نألف مبدعا يجهر بمرجعياته، إنما تلك مهمة الناقد الذي حين يكشف حضور نصوص أخرى، يدخلها ضمن ما يسمى ب" التناص". والمبدع لم نألفه يفضح خلفيته الثقافية، لأن ذلك قد يضعف إبداعية متخيل المبدع، ولأننا ورثنا مفهوما عن الأدب في علاقته بالتخييل، وكل عنصر واقعي يدخل مجال النص إلا وأربك مفهوم التخييل.
في المجموعة القصصية لدى أنيس الرافعي، يحدث العكس، لأن الكاتب يعلن عن مراجعه ومناخ كتابته، بل الأكثر من هذا فإن نوعية المراجع تثير الدهشة أيضا لكونها مراجع خرجت عن المعتاد ( الكتب ) وتعاملت مع الشريط السينمائي باعتباره خلفية بصرية وفنية وثقافية وجمالية للنص القصصي.وهو وضع يحفز الفضول لدى كل قارئ، إما بإعادة مشاهدة الشريط في حال مشاهدة سابقة، أو الحرص على مشاهدة الشريط، قصد التعرف على نوع الوصال بين القصة والشريط. ولعلها لعبة فنية تدخل الكتابة القصصية في لعبة التجريب بين الحكي بالكتابة والحكي بالصورة. وعبر هذا التجريب يمكن للقارئ أن يشكل بناءا جديدا للنص المقروء، باعتماد خياره في العودة إلى الشريط، أو الاستغناء عنه، وهو بهذا الإنجاز – حسب قراراته- فإنه يجعل القصة التي أمامه تأخذ أشكالا جديدة من التكوّن. ولعله تخريج يؤهلنا للاعتقاد بكون النص الترابطي/ الرقمي لم يكن حالة استثنائية من مسار النص الأدبي، وإنما يعد امتدادا متطورا لحالة التجريب التي عرفتها/ تعرفها القصة القصيرة والرواية.
لا يخرج هذا التصريح بالمراجع عن المناخ العام الذي أصبحت تعيشه كثير من النصوص السردية بالمغرب على الخصوص، وهو إعلان الكاتب باعتباره مؤلفا داخل المجال النصي. ومن يقرأ الوضع بالمفهوم السابق للمتخيل، فإنه " قد "يصدر حكما على طبيعة / مستوى إبداعية النص. غير أن هذا الوضع في الكتابة يعيد قضايا جوهرية في نظرية الأدب للنقاش النقدي والمعرفي منها: التخييل، و النص الأدبي و القارئ.
إنها أسئلة جديرة بالنقاش نقديا، خاصة مع الحالات التي أصبح عليها الأدب مع تجربتي التجريب والترابطي.
1-3 أسلوب الكتابة :
إن أهم عنصر مثير للانتباه هو أسلوب الكتابة. والذي يتخذ مرة بعد التعدد في شكل كتابة القصة الواحدة، كما وجدنا مع نص " الزجاجة" حيث إمكانية قراءة نفس القصة بصيغتين مختلفتين. ثم بعد التكرار الذي يعد أسلوبا في الكتابة. وهو ليس من النوع التأكيدي أو التوثيقي أو الذي يهدف إلى خلق ذاكرة النص، إنما هو أسلوب وشكل في الكتابة. والكتابة القصصية تتحقق من خلاله. يأتي التكرار على شكلين: تكرار الحكاية( نموذج الزجاجة)، وتكرار يمس الجملة السردية ليبني الحكاية نصا في كل نصوص المجموعة. ولعل نص " الساق" يعد من بين أهم النصوص بلاغة في هذا المستوى الأسلوبي، وهو النص الذي يتشكل أيضا من قصة قصيرة جدا، مما يطرح إمكانية احتواء جنس القصة القصيرة لأجناس أخرى.
إن تجربة القص لدى المبدع المغربي" أنيس الرافعي" جديرة بالانتباه إلى مشروعها الذي يتطور مع كل مجموعة قصصية. وهي تجربة تتطلب حسن الإصغاء، والتريث في القراءة، لأنها تجربة منتجة لحالة مغايرة لفعل القص.
ﺃديبة وناقدة ﺃكاديمية من المغرب.
|