غير خاف، أن النص الأدبي ينبني على تشابك غاية في التعقيد بين المبدع والنص كخطاب وسنن من جهة، والمتلقي من جهة أخرى. المبدع آت من المجتمع
من أين يمكن الدخول للنص ؟
غير خاف، أن النص الأدبي ينبني على تشابك غاية في التعقيد بين المبدع والنص كخطاب وسنن من جهة، والمتلقي من جهة أخرى. المبدع آت من المجتمع والثقافة ، ليقيم في ذاته ، ومن خلالها ينظر ويرى ؛ استنادا على خلقه وكائناته الجمالية والتخييلية . ويبدو وفق هذا البسط، أن النص هو استدارة عالقة ومتداخلة بالأشياء المتشكلة في اللغة غير المطمأنة أو اليقينية.أما المتلقي فهو ذاك التعدد الذي يمتد من الواحد إلى الجماعة المتشكلة، المتلقي الذي يحتوي على المبدع نفسه كمتلق لعمله. فالمبدع مثلما يبدع ويقطع ، يتلقى عمله بنفس الروح الوثابة أو بنفس الخبط في النظر والفهم والأوهام التي لا تليق بطينة الأدب ولكنها تكون أجدى في توظيف الأدب كمطية ذلول تفرغ الأدب من أدبه ، وليكون الذي أردناه أن يكون وبكامل الأدب .وطالما أن الكتاب الجديرين بهذا الاسم يطاردون ذاك النص المنفلت باستمرار كمحتمل أدبي . أكيد أن المبدع مهما تعدد كرؤى وزوايا نظر وتخلق، فإنه على صلة في مقامه الإبداعي باللغة أولا كمعبر للآخر والوجود. وبالتالي فالتشكيل اللغوي الدقيق لا يتأتى إلا من خلف بديع على دراية دقيقة باللغة ؛ لأن الإقامة فيها أدبا يقتضي تلينها بالحفر والغوص المتوسل بالضربات الوجدانية والتخييلية التي تدخل اللغة للفرن ، وتعيدها على سبك ذي صلات خفية صلبة التكوين . النص الأدبي ليس لغوا خطابيا ،أو قولا سريعا للاستهلاك ؛ بل بناء تنطرح معه مكونات عديدة للنظر كالتصوير والإيحاء والتركيب والواقع والمتخيل والحلم والغرابة... مكونات متكاملة ضمن السياق وشرط أدبية النص. وإذا غابت هذه الشرطية الجوهرية، تحول النص إلى تهجين بلا معنى ولا خصوصية . وفق هذا المعنى يمكن للنص أن يقترب من ملمح النسج وأن يكون صناعة دافئة، أي ليس بالمعنى الآلي، كما درج على ذلك أسلافنا. ويغلب ظني ، أن النص الأدبي على أشكاله المختلفة ينهض على التصوير الفني كخصيصة مميزة بشكل نوعي للكتابة . فوحده التصوير على طبيعته الأدبية في إعادة البناء والانتقال بالغوص والتحويل والتحوير من الحسي إلى الذهني، من الجزئي إلى الكلي.. أقول وحده التصوير يخلق الدهشة ذات الطبيعة الإيحائية التي تحرر الكلمات والتراكيب من قيودها القاموسية ، وتعطيها أدوارا ووضعيات سياقية جديدة ؛ لبناء عوالم أوسع ، يتضافر فيها النفسي بالواقعي بالفكري..ضمن تلك الوحدة أو النقطة التي يرقب من خلالها المبدع العالم أعني الرؤيا . التصوير يهدف إلى خلق وضعيات تواصلية جديدة ؛ لتقديم معاني غير مستهلكة ولا جاهزة ؛ بل معاني راشحة بإنائها الإبداعي . وبالتالي ، فهذا التصوير ليس بالمعنى التاريخي والسياسي الذي يتغيا المطابقة ولو في الإيديولوجيا . هو تصوير أعمق من قبيل التصوير الفلسفي ، لكنه بلا افتراض أو بناء مفهامي . وحين يعي المبدع تصويره سيدرك أن نحته ، معرض للعسف ، إذا لم يسند دائما في التناول بعناية الأدب الآتية أصلا من سلالة الكتابة . تحضرني هنا قولة عنيفة بجمال توصيفها لايزراباوند يقول فيها " إنه من الأفضل أن يخلق الإنسان في حياته صورة واحدة من أن يكتب مؤلفات ضخمة " . كأن المبدع يكتب بالصور بكيفية شعورية أو لا شعورية ؛ ذلك لأنه يجذب إليه الأشياء ، ويبني عوالم أخرى ، ضمن لغة يتم تلينها بالحركات الباطنية والتأملية التي تسند الوجدان والخيال ، أعني الذات التي تغتني بالتجربة والمراس والمقروء.. ويكون النص تهذيبا لكل ذلك ضمن بناء غير غافل؛ بل يبنى على أنقاض ما أو على مساكن وخلق آخر. من أين ندخل النص ؟ . فلا باب له، وفي المقابل كله أبواب على قد كبير من الصد وعلى نفس القدر من الجذب. وحين تفتح بابا، أعني بابك، ستتوالى الأبواب بشكل لا نهائي. وهذا يعني أن النص خلق دقيق لا يمكن أن نلجه هكذا بدون عدة ولو لغوية. ولا يمكن أيضا الحديث عنه بخبط وعموميات.. الدراية والكياسة ضروريان في مسامرة النص الأدبي. النص ليس ترصيفا للكلام ، بل خلقا وشأنا . فلتتأمل يا أخي نسلك ، وكن نفسا في هذا النحت الشفيف الذي لا ملة له ما عدا العمق . ألم أقل إنه تصوير بلا ظل، من هنا تمتد بلاغة اليتم، ولا سند غير النص الذي لا نقل ولا عقل له. النص وحده بهذا التوصيف يقينا من التيه بالتيه الأنيق.
شاعر وكاتب من المغرب
|