|
علي مصباح
|
|
11/05/2010 |
|
"lost in Saigon " أعجبني الإسم فدخلت طالبا الضياع في سايغون. كانت الحانة شبه مقفرة في تلك الساعة القريبة من الغروب. النادلة ترحب بي وتظل تتردد على طاولتي، تقف إلى جانبي وتحادثني كما يقتضي التقليد السائد هنا حيث لا يدعك المضيِّف لوحدك كغريب، ويكون من واجب النادلة أن تمنحك رفقة لطيفة ومحادثة في شتى الأمور. الفتاة للطيفة طالبة تعمل ثلاثة أيام فقط هنا من أجل تغطية نفقاتها ونفقات الدراسة التي صرت أعرف أنها لم تعد مجانية في فييتنام الاشتراكية التي ما زالت مع ذلك تتباهى بتعليق صور الزعيم هو شي منه ومقتطعات من مقولاته في كل مكان. مساء تتحول الحانة إلى مرقص. موسيقى تكنو صاخبة، دخان كثير ينقع المكان في ما يشبه الضباب الممزوج بكوكتيل روائح العطور. سيكون عليك أن تبذل جهدا كي تفتح لك طريقا داخل الزحام لتقترب من المقصف وتطلب شرابا، وأن تتحلى بكثير من اللياقة والدبلوماسية لترد عروض المرافَقَة التي تنهال عليك من كل جهة من طرف الفتيات الجميلات الكثيرات اللاتي يعج بهن البار منذ الساعة الحادية عشر مساء. وإن لم تخنك الدبلوماسية واللياقة، فأغلب الظن أن قدرتك على الصمود في وجه الإغراء اللذيذ هي التي ستخونك دون شك لترى قلعتك، مهما كانت محصنة بالحذر والتحفظ، تنهار بسرعة مثل بناية من التراب تطير بها عاصفة عاتية. ألم تُقبل على المكان وأنت تضمر الضياع في سايغون؟ إذن؟
وعلى أية حال فإن الضياع الناعم في غياض هذه الجنة الصغيرة يظل أفضل من مشهد أصحاب الأذرع المحززة بالأوشام والبطون الهائلة من بقايا المحاربين القدامى في الجيش الأميركي المتحلقين طوال اليوم والمساء في صخب لا يهدأ حول عدد هائل من زجاجات البيرة في شارع فام نولاو والأزقة المتفرعة عنه. كما يمكن أن يكون فاصلة استراحة بعد الجلوس أمام مقهى أو حانة في شارع فام نو لاو لن يدعك لوحدتك فيه وغفوة تأملاتك مروجوا المخدرات الذين يتناوبون على مائدتك هامسين: ماريهوانا؟ كوكايين؟ هيروين؟، والمتسولون والمومسات المخمورات أو المزطولات وبائعات شتى الأغراض التافهة.
إنها المرة الأولى التي أدخل فيها حانة lost in Saigon في مثل هذه الساعة من المساء، وكانت تلك أمسيتي الأخيرة بالمدينة قبل المغادرة باتجاه بانكوك. لن تمنحني سايغون سوى أمسية واحدة من الضياع إذن. لا أدري إن كنت أشعر بالندم لكوني قد فوتّ على نفسي خلال أيام إقامتي بالمدينة هذا الحفل الليلي الصاخب المعربد مفضلا التسكع في السوق الليلية أو الجلوس في أماكن أخرى أقل عربدة، أم أنني كنت أشعر بنوع من الظفر والنجاة بجلدي من مغريات ذلك الضياع اللذيذ. المهم أن سهرتي الأخيرة هذه ستجعلني أحمل معي نكهة دسمة لمذاقِ فاكهة محرمة.
كاتب ورحالة تونسي |