عبد الرحيم الخصار

    ترك المغاربة أثرهم واضحا و هم يعبرون أرض الكتابة باللغة الفرنسية، إذ يستحيل الحديث عن أدب عربي ناطق بلغة موليير دون ذكر أسماء أساسية مثل إدريس الشرايبي و محمد خير الدين و عبد الكبير الخطيبي و الطاهر بنجلون و عبد اللطيف اللعبي و فاطمة المرنيسي و آخرين.


هل هو مجرد تلبية لفضول القارئ الفرنسي؟


و إذا كان أدب هؤلاء الرواد اختار أن ينهض على قوائم متقاربة تجسدت في مجموعة من المفاهيم كالهوية  و الانتماء و النضال و الأنا و الآخر و الشمال و الجنوب و الإغتراب، فإن أدب الجيل الثالث يكاد يتحرك بخطى جديدة لا تؤمن بمفهوم الاغتراب الجغرافي و تقطع مع الحنين إلى الوطن الأم بتلك الصورة المعتادة كما نلمس ذلك عند محمد حمودان، و لا تتورع في تعرية المشاعر الجسدية كما هو الشأن في كتابات عبد الله الطايع عن المثلية الجنسية، و الاعتراف بما تعرض له الجسد الذكوري من اعتداءات جنسية كما هو الحال لدى الصابر.
في مراكش مثلا، و هي المدينة التي بوسعك أن تسمع فيها جميع لغات العالم بحكم الرواج السياحي، يمكن أن نقف عند مجموعة من التجارب التي اختارت أن تبقى في المغرب و تكتب بلغة الفرنسيين مثل محمد ند علي و عبد الإله حسبي و الصديق الرباج، هذا الأخير يرفض أن يتم النظر إلى الأدب المغربي المكتوب بغير العربية على أنه أدب دخيل أو غريب عن المغاربة:"بالنسبة لي الأدب المغربي هو، بكل بساطة، الأدب الذي يكتبه مواطن مغربي مهما كانت لغته، فقط ينبغي أن ينقل لنا المعيش المغربي و يسلط الضوء على النقط المعتمة في حياة المغاربة، و على الطابوهات، و على السري و غير المتداول في أحاديثنا اليومية".
 و عن الفرق بين الأدب المغربي المكتوب بالعربية و نظيره المكتوب بالفرنسية يقول الرباج:"ليست هناك خصائص مستقلة تفصل هذا عن ذاك قياسا إلى اللغة، إذ نجد في العربية كما في الفرنسية نصوصا جيدة و أخرى ضعيفة".
لقد قرأ هذا الكاتب معظم ما ألفه المغاربة بالفرنسية، و هو مدين لهذه النصوص المغربية التي قدمت له، كقيمة مضافة، ما لم تقدمه روائع الأدب الكلاسيكي الفرنسي، إنها قريبة من حياته و من مجتمعه و من ثقافة هذا المجتمع :"لقد أنجزت بحثي الجامعي عن محمد خير الدين، غير أني لا أشبه هذا الجيل، فالعالم تغير، و المشاكل التي أواجهها أنا اليوم ليست هي ذاتها التي عاشتها الأجيال السابقة، و بالتالي فالرؤية اليوم مختلفة، و مع ذلك لا يمكن أن نبني دون أساس، هم مهدوا لنا، ثمة شعور بالاعتراف نكنّه لهؤلاء السادة الكبار"
إنه تقريبا الشعور ذاته يحس به نور الدين محقق الذي يكتب الشعر و الرواية بأكثر من لغة :" علاقتي بتجارب الجيل السابق علاقة تكامل واستفادة، إن عملية الاستفادة  والاتصال هي التي تساعد على تحقيق الانفصال فيما بعد ،ثم إن هذا الجيل الرائد في الكتابة باللغة الفرنسية هو جيل مشّاء باستمرار وعابر للأزمنة ، بمعنى أن آليات الكتابة لديه تتجدد ولا تقف عند حدود ما أنتجته في السابق ، وهو ما يجعل منا كجيل جديد يكتب باللغة الفرنسية يضاعف من اجتهاده ويكتب برؤية تنظر إلى المستقبل ، لكنها أيضا تحمل عمق التجارب السابقة وتستفيد منها ، ولو بالرغبة في عدم الكتابة على منوالها ، وهو أمر إيجابي كثيرا".
 و تشكل كتابات الجيل الجديد ،حسب محقق، إضافة نوعية للأدب المغربي ككل ، فهو يلج أمكنة و موضوعات مختلفة لم يسبق التطرق إليها، كما أنه يقدم صورة جديدة مغايرة لسابقه سواء الذي كتب باللغة العربية أو حتى الذي كتب باللغة الفرنسية من لدن الرواد، ذلك أنه أصبح الآن أكثر التصاقا بالتجربة الشخصية في مختلف همومها اليومية البسيطة ،وابتعد عن الهموم الكبرى التي كانت سائدة في السابق ، كما أنه أصبح يناقش علاقة الذات بالآخر من خلال فتح نوافذ الحوار والإقرار بالاختلاف والرغبة في التعايش ،وهو في ذلك يتماشى مع توجهات الأدب العالمي الجديد.
 يضيف نور الدين محقق:"حركية الأدب المغربي الجديد المكتوب باللغة الفرنسية  بدأت في الآونة الأخيرة تعرف تقدما لافتا للنظر ، يتجلى هذا في أن هناك دراسات قيمة تجرى حول الأدب المغربي الجديد المكتوب باللغة الفرنسية في كل من أمريكا وكندا وفرنسا طبعا ،وهذا شيء إيجابي جدا،ثم إن الصحف المغربية الناطقة باللغة الفرنسية، تتابع أخباره وتنشر دراسات ومقالات حوله وتجري حوارات مع كتابه ،كما أن هناك برامج إذاعية ثقافية جيدة تتابعه أيضا"
لكن الناقد و المترجم محمد آيت لعميم  يرى  أن قضية الأدب المغربي الذي يكتبه الجيل الجديد بالمغرب باللغة الأجنبية وخاصة باللغة الفرنسية تطرح الكثير من الإشكالات، فإذا كان الجيل الأول الذي كتب بالفرنسية اعتمد هذه اللغة في كتابة الرواية "مابعد الكولونيالية" فان لجوءه لهذه اللغة كأداة للتعبير والتواصل كان مبررا بالسياق العام آنذاك، فقد اعتبرت اللغة الفرنسية غنيمة حرب ومن خلالها تمكن الكتاب المغاربة من الحديث عن هويتهم لأن الإشكال الذي طرح حينئذ كان هو سؤال الهوية، و هذا ما يجعل آيت لعميم لا يجدد مبررا للكتابة اليوم بلغة أخرى، و يبدو لصاحب "أسطورة بورخيس" أن كلا من ادريس الشرايبي والخطيبي ومحمد خير الدين  رسخوا هوية جديدة للكتابة باللغة الفرنسية جعلت أسماءهم مفروضة بقوة الإبداع المسنود بمرجعيات فكرية وفلسفية، وبوضوح في الرؤية والرهان:"لقد تمكن هؤلاء الرواد من تغريب الفرنسيين في لغتهم ونقلوا المتخيل المغربي للفرنسية، هذا بالإضافة إلى أنهم كتبوا بالفرنسية في لحظة عرفت قوة في الأدب الفرنسي وكانت الساحة الفرنسية تعرف أسماء كبيرة في الأدب كما في النقد،  وقد ثمن هؤلاء النقاد ما أنجزه الكتاب المغاربة باللغة الفرنسية فقد كتب رولان بارت مقالة مهمة تحت عنوان (ما أدين به للخطيبي)"، أما بخصوص ما يكتبه اليوم الجيل الجديد فإن السؤال الأول الذي يتبادر للذهن هو ما المبرر اليوم للكتابة باللغة الفرنسية؟ يجيب آيت لعميم "قد نجد مبررا لذلك بالنسبة للجيل الذي ولد بفرنسا وعاش فيها وأصبحت اللغة الفرنسية هي اللغة التي يتحدث بها، أما ما عدا ذلك فلا أرى من مبرر اللهم إلا إذا اعتقد الذي يكتب بهذه اللغة أنه سيضمن مقروئية جيدة باعتبار أن الفرنسيين يقرؤون، وهذا الاعتقاد في نظري مؤسس على وهم، ذلك أن الغربيين لا يهتمون بما يكتبه المغاربة إلا إذا لبى فضولهم الإغرابي وحقق لهم الصورة التي رسموها عنا في المرحلة الاستعمارية".
لكن محمد حمودان أحد أبرز وجوه الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية يرد على هذه الأفكار بكون الأدب ليس نتاجا جماعيا تحكمه فكرة"الجيل" فخير الدين و الشرايبي و الخطيبي يجب أن يتم التعامل مع أدبهم كأفراد لا ككتلة متراصة أو كنسيج واحد منسجم:"صحيح أنه لأسباب تاريخية تناول هؤلاء الكتاب نفس التيمات تقريبا، إلا أن كل واحد منهم عالجها بحساسياته و هواجسه الفردية" و يمثل حمودان لهذا الانفصال في الطرح بعملين "أنا المر" لخير الدين و"الذاكرة الموشومة" للخطيبي، وهما العملان الأدبيان الذين يفصل بينهما من حيث الإصدار أقل من عام واحد، و لا شيء يجمع بينهما و لا مبرر يجعلنا نضعهما في نفس الخانة، هذا ما إذا كنا نبحث عن تصنيف ما.
 و يرى صاحب "الحلم الفرنسي" أنه من باب التصوف القائم على مفهوم الشيخ و المريد أن نضع كل هؤلاء الأدباء في مكان واحد  و تحويلهم إلى آلهة و تماثيل يتحتم علينا الركوع أمامها"إذا كان سارتر قد خصص ورقة عن خير الدين وعبر دريدا و بارث عن حماسهما لكتابات الخطيبي و تحدث جينيث عن الطاهر بنجلون، فهل هذا كاف ليجعل منهم كتابا كبارا؟"
 يؤكد حمودان أن جودة العمل الأدبي توجد في داخله، في سحر اللغة التي تشكله، إذ تعدّ هذه الأخيرة هي التحدي الأكبر لكل عمل أدبي سواء كتب بالعربية أو الفرنسية أو حتى الصينية.
يضيف حمودان:"دون أن أكون ناطقا باسم أي جيل مهما كان فأنا أريد ان أوضح أن بعض الجهلاء يقومون بمقارنات مع الجيل القديم غايتهم محاكمة الكتابات الحديثة و اتهامها بالخروج عن الأدب، أكثر من ذلك إنهم  ينصبون أنفسهم كقضاة جدد، و يرون أن الكتابة الراهنة بالفرنسية هي دائما ركض وراء قارئ وهمي على اعتبار أننا لا نكتب و إنما نشكل فقط صورا فلكلورية لبلدنا وشعبنا، و هذا حكم لا يعتمد على أي منطق، إنني أكتب بهذه اللغة لأدمرّ اللغة في حد ذاتها، و لأدمر الآلهةو العالم، و ليس من أجل أن أثير إعجاب أي أحد كيفما كان".
حين سألنا الشاعر طه عدنان الناشط الثقافي بالصالون الأدبي ببلجيكا عن اختياره الكتابة بالعربية رغم إقامته في بروكسيل و اندماجه الكبير مع الوسط الثقافي هناك أجاب:" هاجرت إلى بلجيكا وعمري 26 عاماً، أي منتوجا شبه نهائي بملامح ثقافية شبه مكتملة، لذا فأنا مخلص للغة العربية كلغة كتابة وإبداع،ولا أعتقد أن تغيير اللغة يتمّ بنفس السهولة التي تغيّر بها تسريحة الشعر،لكنني مع ذلك أعتبر قصائدي، خاصة الأخيرة منها، قصائد بروكسيلية تماماً لأنها تحمل قسمات المدينة التي أعيش فيها منذ أزيد من إثني عشر عاماً وتعج بمفرداتها، بل وحتى اللغة العربية التي أكتب بها فهي برأيي لغة لا تقل بروكسيلية عن اللغات الفرنسية والهولندية والتركية والإيطالية والبرتغالية والإسبانية واليونانية والبولندية التي تؤثث الفضاء اللغوي لهذه العاصمة الأوروبية المتعددة الثقافات".   
  يؤكد صاحب "ولي فيها عناكب أخرى" و "أكره الحب" أن هناك أدباء مغاربة من أبناء الجيل الثاني للهجرة يكتبون بلغة بلد الإقامة كعبد القادر بنعلي وحفيظ بوعزة وخديجة البزاز الذين يكتبون بالهولندية في الأراضي المنخفضة تماماً مثل زميلاتهم هناك ببلجيكا رشيدة المرابط وجميلة الإدريسي أو بالفرنسية كليلى الهواري وصابر عسال، و طبعاً لغة الكتابة هنا ليست اختيارا فمعظم هؤلاء لا يعرف اللغة العربية، و بالتالي فاللغة الفرنسية أو الهولندية هي لغة الإبداع الوحيدة المتاحة لديهم على عكس الروائي المغربي عيسى آيت بلعيز المقيم بلييج البلجيكية منذ سبعينات القرن الماضي والذي اختار الفرنسية لغة للكتابة في حين ظل المغرب مهيمنا كفضاء للكتابة والتخييل في معظم رواياته.
 و يرى عدنان أن مهمة الأدب المغربي الجديد بلغتيه أو بلغاته المتعددة هي أن يتكاثف كي يقدم صورة المغرب الحقيقة لا تلك النمطية الجاهزة الراسخة في ذهن الإنسان الغربي :" وأنا سواء في إطار الصالون الأدبي العربي لبروكسل أو عندما أنظم مع المركز الثقافي البلجيكي "موسم" أماسي شعرية عربية في إطار الاحتفالات الشعبية بعيد الحب، إنما نرمي إلى مواجهة الأحكام النمطية الجاهزة لدى الجمهور الغربي عن ثقافتنا العربية التي طالما نبضت عشقاً وشعراً منذ زمن المعلقات، إذ لم يكن يتطرق الشاعر العربي إلى غرض من الأغراض في قصيدته إلا ووجد نفسه معرجاً على الغزل إذا لم يكن مكتفياً به ومقتصراً عليه، إنها استجارة بصفاء المشاعر وعذوبة الكلمات من جهامة الصور النمطية التي تروجها وسائل الإعلام الغربية والتي تكاد تختزل العربي إلى حقيبة برجلين مستعدة للانفجار في أيّ لحظة".

بيت الرؤية

المدونة كطريق للشهرة

ثلاثة فتيات من مصر اخترن الانترنيت كطريق للكتابة عبر خلق مدونات، ونظرا للاق

في ضيافة الثمانين حولا

مهيار الدمشقي يطل علينا من خلال عام 2010 وهو يشرف على العقد الثمانيني. هنا إعاد

محمد سبيلا ضيفا على دابا تيفي

الأوضاع التي تجتازها البلدان العربية من خلال ثورة تونس ومصر تطرح سؤالا أساسي

بيت الحكمة

السرّ بين القراءة والإبداع

مٌبدعون عرب يروون حكايتهم مع القراءة.. كيف ومتى بدأت؟ ما هي العلاقة السّيكولو

في الوعي الاجتماعي والفن!

كلما شاهدت فيلما عربيا أو مسلسلا ميلودراميا أصابني الحزن، ليس على المصير الت

"الغنى في الغُربةِ وَطنٌ"

صوبَ أجملِ البقاعِ انطلقتِ الحافلة، تجتذبُها بوصلةُ الشّمالِ الباردِ في رحل

بيت الحكي

الماريشال

 أطل من شرفة عالية ذات صباح كعادته، بدت له ساحة القلعة كرقعة شطرنج باردة ، تؤ

فَـرَحْ

تستيقظُ من نومكَ وكأنّكَ تملكُ الفجرَ بيديكَ، وتبتسمُ

غربة

لا أدرى .. ينتابنى هذه الأيام أحساس غريب لا أفهم له مغزى ولا سبب وبالتأكيد يغي

بيت الضيافة

في ضيافة نجيب خداري

حوار مع  الشاعر نجيب خداري، رئيس بيت الشعر بالمغرب :"رهاننا كبير على أن تتس

في ضيافة ابراهيم نصر الله

لعل رواية "طيور الحذر" من بين الروايات التي تفحم قارئها بمجرد الوصول إلى آخر س

في ضيافة زياد خداش

 زياد خداش من الكتاب الفلسطينيين الذين يعيشون في فلسطين مع ذلك الإحساس ال